السيد رضا الصدر

77

محمد ( ص ) في القرآن

الحيوان غير قادر على العفو ، إنّه لحريص على الانتقام والقصاص ، وكلّما كملت الإنسانية في شخص قويت صفة العفو فيه ، وكلّما نقصت الإنسانية ضعفت تلك الخصلة الكريمة . ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله هو ذلك الإنسان الكامل الذي كان ليّنا منزّها عن الفظاظة ، وهو رحمة للعالمين ، وجده ربّه أهلا فأمره بالعفو عمّن أساء إليه ، ولو كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله فظا غليظ القلب لم يستطع العفو عمّن أساء إليه . إنّ القسوة خلق حيوانيّ يدعو إلى القصاص ، وإنّ العفو خلق إنسانيّ يدعو إلى الرحمة ، ولا تنبت شجرة العفو إلّا في أرض الإنسانية . وما أروع عفو محمّد صلّى اللّه عليه وآله عن هبّار بن الأسود ، ذلك الذي روّع زينب بنت محمّد صلّى اللّه عليه وآله حين وخزها في جنبها وهي حامل ، فألقت ما في بطنها وفارقت الحياة بعد مدّة إثر ذلك الترويع . . . ، ولم يكن ذلك في حرب ، ولم تشارك زينب في حرب ، وإنّما كان ذلك عند مغادرتها مكّة . وجاءه هبّار معتذرا من سوء صنيعه ، فقال : كنّا يا نبي اللّه أهل شرك فهدانا اللّه بك ، وأنقذنا بك من الهلكة ، فاصفح عن جهلي وعمّا كان يبلغك عنّي ، فإنّي مقرّ بسوء فعلي ، معترف بذنبي ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « وقد أحسن اللّه إليك حيث هداك اللّه إلى الإسلام ، والإسلام يجبّ ما قبله . . . » « 1 » ما أعظم هذا التشريع « الإسلام يجبّ ما قبله » « 2 » ! وهل يمكن أن ينجم مثل هذا عن قلب غير مليء بالرحمة بالبشرية الكافرة ؟ فكيف إذن هي رحمته للبشريّة المؤمنة ؟ وممّا يلفت النظر : الاختلاف بين كلام هبّار وكلام محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّ هبّارا

--> ( 1 ) . الإصابة في تمييز الصحابة ، ج 3 ، ص 597 و 598 . ( 2 ) . الجامع الصغير ، ج 1 ، ص 123 ؛ كنوز الحقائق في هامش الجامع الصغير ، ج 1 ، ص 95 ؛ مسند أحمد ، ج 4 ، ص 199 و 204 .